الشنقيطي

445

أضواء البيان

عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) * ، وقوله : * ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) * فالاستثناء يدل على أن له سلطاناً على من اتبعه من الغاوين : مع أنه نفى عنه السلطان عليهم في آيات أخر . كقوله : * ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ) * . وقوله تعالى حاكياً عنه مقرراً له : * ( فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى ) * . فالجواب هو : أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه ، وذلك من وجهين : الأول أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه ، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة . فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها ، غير أَنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان . وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن . الثاني أن الله لم يجعل له عليهم سلطاناً ابتداء البتة ، ولكنهم هم الذين سلَّطوه على أنفسهم بطاعاته ودخولهم في حزبه ، فلم يتسلط عليهم بقوة . لأن الله يقول : * ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) * . وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم . ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله . وقد بينا هذا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) . قوله تعالى : * ( وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه إذا بدل آية مكان آية ، بأن نسخ آية أو أنساها ، وأتى بخير منها أو مثلها أن الكفار يجعلون ذلك سبباً للطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم . بادعاء أنه كاذب على الله ، مفتر عليه . زعماً منهم أن نسخ الآية بالآية يلزمه البداء ، وهو الرأي المجدد ، وأن ذلك مستحيل على الله . فيفهم عندهم من ذلك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مفتر على الله ، زاعمين أنه لو كان من الله لأقره وأثبته ، ولم يطرأ له فيه رأي متجدد حتى ينسخه . والدليل على أن قوله : * ( بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ) * معناه : نسخنا آية وأنسيناها قوله تعالى : * ( مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا ) * ، وقوله : * ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ